علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
6
البصائر والذخائر
بين الفضل والهزل ، وبين العلم والجهل ، ومن شمّر في كتاب تشميرك ، وكدّ فيه كدّك ، نفى المنفيّ واختار المختار ، فالعطن يضيق عن تمام العزم في مطالعة الكلمة السخيفة واللفظة الشريفة ، ومن مزج هذه بهذه كمن مزج الشراب الصافي بالكدر ، وبما يكدّره ويعنّي شاربه ويمنع من تورّده والارتواء به . فقلت له معتذرا بلسان ذي كلول ، وحدّ ذي فلول : أيها السيد الجحجاح « 1 » والفاضل المنّاح ، لو تمكّنت من هذا الرأي لما صددت عنه ولا آثرت عليه ؛ لكنّي لمّا اقتبست ذلك من تصفّح العالم واستريته « 2 » من مسألة العالم ، أخذته « 3 » على ما عنّ وجرى . وهذا - أيّدك اللّه - كلام رجل لم يذق حلاوة البيان ، ولا ظفر بعزّ الحجة ، ولا فرّق بين ما يعانيه من جهة الهزل ، وبين ما يكلّفه من جهة الجدّ ، ولا علم أنّ هذا الظّرف « 4 » لذلك المتاع ، وهذا التبسّم لذلك الوجوم ، وهذا النّطف « 5 » لتلك الدماثة ، وهذه الهيبة لذلك الانبساط ، وهذه الرياضة لتلك العافية « 6 » ؛ ومن كان معجونا من أخلاط ، ومركّبا على اختلاف ، وأسيرا للعوارض ، فلا بدّ في كلّ حركة وسكون ، وقول وعمل ، ونقص وكمال ، وفضيلة ورذيلة ، من محبوب يناله ، ومكروه ينال منه . نرجع إلى سمرنا فقد تباعدنا منه : اعلم أني قد ختمت هذا الجزء بجملة من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله ، سوى ما سار في جريدة الكتاب ، إذا بلغت إليها ، وأشرفت عليها ، علمت أنّي منحوس الحظّ من زماني ، محسود بين أصفيائي وإخواني ،
--> ( 1 ) الجحجاح : السيد الكريم . ( 2 ) استريته : اخترته سريا . ( 3 ) ص : وأخذته ، ولا يستقيم النص بها . ( 4 ) ص : الطرف . ( 5 ) ص : النطق ؛ والنطف : التلطخ بالعيب . ( 6 ) ص : العاقبة .